أحمد بن يحيى العمري
61
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وتمسك ، وكان يهب على ضيق ذات يده ، ومضيق رقعة ملكه وبلده بدرا وألوفا ، ويرهب أعداء وصفوفا ، كان يغزو وهو في الوطن ، ويسكن وتحت سكونه حركات الفطن ، وكان قائما بالحق قائلا له وقائلا في ظله ، لا يفارق ظله ، وأوت الرعايا منه إلى أب برّ تميل على جوانبه ، وإمام عادل لا يكف عن الأرض مطر سحائبه ، فكأنما كانوا في أيامه لمنّها في الحلم ، ولأمنها في الأشهر الحرم ، هذا مع شراسة خلق ، وشكاسة عضب لا ينجاب لها أفق يحتاج من حضره وقد حضره ذلك الخلق الشرس والغضب اليبس [ ص 23 ] أن يغيب عنه وجهه مقدار حلب لقاح ، أو ما يجف الندى عن الإقاح ، وقد تجلت تلك الغيابة العارضة ، وهدأت شقاشق تلك الغمامة العارضة ، وعاد إلى أحسن خلقه ، وأعاذ بإحسان نبته من إساءة خرقه ، وتسفر تلك الرياض الدمائث ، ويتضوع كالمسك في ند مائث « 1 » ، ومن كنوز المطالب أنه وصل إلى الري في جموع عظيمة هال أمرها ، وآل الأمر إلى أن هزمه كوبكين صاحب الري ، ثم جلس كوبكين لضرب أعناق الأسرى ، فوثب منهم ديلمي على السياف فاستلب سيفه من يده وعلاه به فقتله ، ومر هاربا ، فلم يلحق وكوبكين ينظر إليه ويضحك ، ثم هبّت للقائم بالحق سعادة ملك بها جرجان وبعض خراسان ، وظهرت أشعته في تلك الأقطار ، ثم هزمه عسكر السامانية ، فقتلوه سنة ثمان وثمانين ومائتين ، ثم كانت بعده ثمّ حروب يطول شرحها ، وللقائم هذا أدب ، ومن شعره قوله : [ الخفيف ] إن يكن نالك الزمان بصرف * أضرمت ناره عليك فجلّت فاخفض الجأش واصبرنّ رويدا * فالرزايا إذا تجلّت تجلّت
--> ( 1 ) المائث : اللين السهل .